أحمد بن محمد ابن عربشاه
184
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فيما لا تحته طائل وشغل سر وبال في جمع أمر محال ، لقد ركبت المشاق وكلفت نفسك ما لا يطاق ، ونسفت الرمل بالكربال « 1 » ، وغرفت البحر بالغربال ، ووزنت الطور بالمثقال ، وتحملت الدر بالأثقال ، فارجع عن هذا الغلط ولا ترم ذلك الشطط ، فإن مكر ربات الخدور لا يدخل ضبطه بسفر « 2 » تحت مقدور . فقال لها : أنت غبية وعن هذا الكلام غنية ، وإن كنت فاضلة ذكية ، أنا قد بلغت في ذلك الغاية وأحطت به بداية ونهاية ، ووقفت على مجمله ومفصله ، فلم يشذ عنى شيء من آخره وأوّله ، فسلمت وما تكلمت وغالطت وما بالطت وسارت وما مارت ، وفوضت إليه هذا التحقيق ، وسلكت معه غير هذا الطريق ؛ حتى كان هذا الكلام في هذا المقام شيئا فريا ونسيا منسيا . ثم نزلت من برج المنازلة ، وأخذت تلك الغزالة في المغازلة وانتهى بها المقال إلى هذا السؤال . فقالت : أيها اللبيب الماهر ما معنى قول الشاعر : يهددنى بالرمح ظبي مهفهف * لعوب بألباب البرية عابث « 3 » ولو كان رمحا واحدا لا تقيته * ولكنه رمح وثان وثالث فالرمح الواحد : قامته والرمح الثاني : ما حوته راحته ، وقل لي يا أبا الحارث ما هو الرمح الثالث ؟ فقال : ذلك النبيه قبل ما يظهر من تثنيه فإن هزّلين أعطافه ، وسرعة انعطافه تراه العينان كأنه رمحان . وقيل : ما يظهر من ذلك المهفهف عند هزه الرمح المثقف ، فإنه
--> ( 1 ) الغربال . ( 2 ) الكتاب العظيم . ( 3 ) المهفهف : الضامر البطن الدقيق الحصر .